علي الأحمدي الميانجي

60

مكاتيب الأئمة ( ع )

قالَ : لَقَد حَمَلتَني على مَطِيَّةٍ صَعبَةٍ ما حُمِلتُ على مِثلِها قَطُّ ، وَلَقَد جِئتَ بِأشياءَ لا أقدِرُ على رَدِّها . قلتُ : فأخبِرني مِن أينَ عَلِمَ العِبادُ ما وَصَفتَ مِن هذهِ الأدوِيَةِ الّتي فيها المَنافِعُ لَهُم حَتّى خَلَطوها وَتَتَّبعوا عَقاقيرَها في هذهِ البُلدانِ المُتَفَرّقَةِ ، وَعَرَفوا مَواضِعَها وَمَعادِنَها في الأماكِنِ المُتبائِنَةِ ، وما يَصلُحُ مِن عُروقِها وَزِنَتِها مِن مَثاقيلِها وَقَراريطِها ، وَما يَدخُلُها مِنَ الحِجارَةِ ومَرارِ السِّباعِ وَغَيرِ ذلِكَ ؟ قالَ : قَد أعيَيتُ عَن إجابَتِكَ لِغُموضِ مسائِلِكَ وإلجائِكَ إيّايَ إلى أمر لا يُدرَكُ عِلمُهُ بِالحَوَاسّ ، وَلا بِالتّشبيهِ وَالقِياس ، ولابُدَّ أن يَكونَ وَضَعَ هذهِ الأدوِيَةَ واضِعٌ ، لِأنَّها لَم تَضَع هِيَ أنفُسَها ، وَلا اجتَمَعَت حَتّى جَمَعَها غَيرُها بَعدَ مَعرِفَتِهِ إيَّاها ، فَأخبِرني كَيفَ عَلِمَ العِبادُ هذهِ الأدوِيَةَ الّتي فيها المَنافِعُ حَتّى خَلَطوها وَطَلَبوا عَقاقيرَها في هذهِ البُلدانِ المُتَفَرِّقَةِ ؟ قلتُ : إنّي ضارِبٌ لَكَ مَثَلًا وَناصِبٌ لَكَ دَليلًا تَعرِفُ بهِ واضِعَ هذهِ الأدوِيَةِ وَالدَّالَ على هذهِ العَقاقيرِ المُختَلِفَةِ ، وَباني الجَسَدِ وَوَاضِعِ العُروقِ الّتي يَأخُذُ فيها الدَّواءُ إلى الدَّاءِ . قال : فإن قُلتُ ذلِكَ لَم أجِد بُدّاً مِنَ الانقِيادِ إلى ذلِكَ . قُلتُ : فَأخبِرني عَن رَجُلٍ أنشَأ حَديقَةً عَظيمَةً ، وَبَنى عَلَيها حائِطاً وَثيقاً ، ثُمَّ غَرَسَ فيها الأشجارَ وَالأثمارَ وَالرّياحينَ والبُقولَ ، وَتَعاهَدَ سَقيَها وَتَربِيَتَها ، وَوَقاها ما يَضُرُّها ، حَتّى لا يَخفى عَلَيهِ مَوضِعُ كُلِّ صِنفٍ مِنها فإذا أدرَكَت أشجارُها وَأينَعَت أثمارُها واهتَزَّت بُقولُها دَفَعَت إلَيهِ فَسَألتَهُ أن يُطعِمَكَ لَوناً مِنَ الثّمارِ والبُقولِ سَمّيتَهُ لَهُ ، أتُراهُ كانَ قادِراً على أن يَنطَلِقَ قاصِداً مُستَمِرّاً لا يَرجِعُ ، وَلا يَهوي إلى شَيءٍ يَمُرُّ بِهِ مِنَ الشَّجَرَةِ وَالبُقولِ ، حَتّى يأتي الشَّجَرَةَ الّتي سَألتَهُ أن يأتِيَكَ بِثَمَرِها ، وَالبَقلَةَ